خطف مفهوم المسؤولية الاجتماعية الأضواء عندما فاجأ العالم بأسره بتربعه على عرش المفاهيم الأسرع انتشارا والأكثر تداولا في خطب زعماء الدول ورؤساء المنظمات الدولية وقادة الشركات العابرة للقارات، واختراقه صميم سياسات الدول، واعتباره أحد أهم السبل والوسائل العملية المؤدية إلى تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.
ورغم أن نشأة مفهوم المسؤولية الاجتماعية تعود لعام 1947 في الولايات المتحدة الأمريكية عندما حاولت لجنة هوتشينز أن تضع ضوابط أخلاقية بين الإعلام والمسؤولية الاجتماعية في المجتمعات الليبرالية.. إلا أن المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في دافوس، سويسرا في 31 كانون الثاني/يناير 1999 شكَّل معلماً بارزاً في مسيرة تطور الوعي الدولي بهذا المفهوم وأحكم صياغته عندما دعا كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة قادة الأعمال في العالم للانضمام إلى مبادرة "الاتفاق العالمي" ذات الطابع الطوعي البحت، وشُرِع في تنفيذها بنيويورك، في 26 تموز/يوليو 2000 بغية تعزيز التنمية المستدامة والمواطنة الصالحة للشركات، وتبني قيم قائمة على مبادئ مقبولة عالمياً.
كما عرّف مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة المسؤولية الاجتماعية بأنها "الإلتزام المستمر من قبل شركات الأعمال بالتصرف أخلاقياً والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم، والمجتمع المحلي والمجتمع ككل".
إن المسؤولية الاجتماعية مفهوم حداثي مفتوح وشامل، يتخذ جوانب تنموية متعددة الأبعاد، وتمثل برامجه أولوية رئيسية لحكومات الدول المتقدمة، إذْ تشرّع إزاءه سياسات إنمائية متطورة، وتصيغ من جوهره استراتيجيات منهجية شاملة ومتكاملة على مختلف الصعد، بعد أن أدركت أنها بحاجة قصوى إلى زيادة استكشاف الطرق الكفيلة بمعالجة احتياجات مجتمعاتها، ومضاعفة تدفقات المشاريع الاستثمارية إلى بلادها، فلم تجد سبيلا لذلك سوى إدراج برامج المسؤولية الاجتماعية في سياساتها الشاملة كأحد أهم التدابير التي يمكن أن تساهم بشكل فعال في إحراز التقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها.
ورغم حداثة تجربة المسؤولية الاجتماعية وعدم مشاركتها الفعالة في وضع وتنفيذ استراتيجيات وبرامج التنمية المستدامة لدى العديد من دول العالم النامي، بعد، نجد أن مبادئ المسؤولية الاجتماعية في سورية شهدت تنامياً متصاعداً بدا جلياً في استراتيجياتها الوطنية المتضافرة والرامية إلى تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية إيماناً منها بأن تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق آمالهم العريضة في بلوغ مستقبل أفضل يعدّ ركيزةً أساسيةً لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة.
كجزء من استجابتنا لتحديات المرحلة الراهنة التي تشهد انفجاراً معرفياً هائلاً، أفرز ثورة تكنولوجيا المعلومات، وسرعة متزايدة في تدفق المعلومات، وأسهم في تفاعل الطاقات الذهنية الخلاّقة مع البنى التحتية الملائمة للارتقاء بمخرجات البحث العلمي، وتحقيق قيمة مضافة.. يحدونا إحساس عميق في شبكة سورية للمسؤولية الاجتماعية بمسؤوليتنا إزاء وطننا، التزاماً منا بواجباتنا تجاه مجتمعنا، انطلاقاً من قناعتنا بأن المسؤولية الإجتماعية هي استثمار أخلاقي.. وليست بريستيج اجتماعي.
من هنا تبلورت أمامنا العديد من الضرورات التي استرعت انتباهنا لأهمية إيجاد شبكة تنموية شاملة تفي احتياجات الأجيال، تقوم على تشخيص إشكالياتهم وتوصيفها الدقيق، وتحديد سبل معالجتها بشكل سليم عبر اقتراح الآليات والخطط الكفيلة بتحقيق التنمية الشاملة المستدامة من برامج مسؤولة اجتماعياً.
بناء على ذلك، تنامى لدينا تصميم مشترك وقناعة أكيدة للسعي بعزم ثابت لتلبية الحاجة الملحة لإيجاد شبكة متخصصة بالمسؤولية الاجتماعية مفتوحة أبوابها على مصراعيها لكل ما من شأنه أن يسهم في ازدهار المجتمع وتنميته المستدامة.
وفي سياق الإجراءات التي خلصت إلى إطلاق مشروع الشبكة، بما في ذلك دراسات الجدوى والدراسات الاستقصائية واستطلاعات الرأي والاستبيانات الميدانية والإلكترونية، تبلورت لدينا مجموعة من النتائج والتوصيات، اتسمت مضامينها بالعمق والجدية والمسؤولية، وعكست في أبعادها - قدر المستطاع - مواقف ووجهات نظر وآمال أغلبية المستطلعين.
- لقد عكست النتائج، حالة التقدم المحرز والمبادرات المتخذة بشأن المسؤولية الاجتماعية دون إدراك ماهية المفهوم.
- كما استمدينا من حالة التقدم المحرز، هذا، قدرتنا على تحقيق مسعانا في مهمتنا، فوطّدنا العزم على الاستفادة من ذلك التقدم والمضي قدماً في إطلاق الشبكة.
- رغم أن الإيمان ببلوغ هدفنا (تأسيس الشبكة) صبغ عقيدة كادرها الشامل، إلا أننا لم نكن نصل إلى مبتغانا لولا التفاعل الإيحابي الذي لمسناه من شرائح المستطلعين على اختلاف أعمارهم وأجناسهم ومستوياتهم الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
- تم انتقاء عينات الدراسات والاستطلاعات عشوائياً، وروعِيَ في اختيار المستطلعين التوزيع الجنسي (ذكر وأنثى).
- لعل الصعوبات الأبرز التي واجهتنا في الخروج بمشروع الشبكة - بالصورة التي تجدونها أمامكم - تجلت في غرابة مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" على أذهان الكثيرين، وعدم المعرفة بهذا المفهوم سوى لدى شريحة متخصصة جداً من المستطلعين.
لقد أظهرت دراساتنا أن ثمة نتائج إيجابية تحققت من برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات الأجنبية العاملة في البلاد (العابرة للقارات)، ورغم ذلك، نجد أن تلك الشركات تحرص على بذل جهود أكبر نحو تحقيق التنمية المستدامة، فكانت الباقة من المحاور التي توختها الاستراتيجية العامة للشبكة سبيلاً للنجاح، هي محاولة طرح مجموعة متكاملة من الفوائد العملية، لمساندة جميع الجهات التي تضطلع بأنشطة المسؤولية الاجتماعية بصورة أفضل في المستقبل.
وعليه، ارتأينا تصويب أولوياتنا في الشبكة لإبراز مدى التقدم المحرز في أبعاد التنمية المستدامة بالتركيز على مجموعة الإجراءات والممارسات التي حققت سورية من خلاها تطوراً ملموساً في مختلف الصعد، وكيفية استخدامها الفعال لمؤشرات النمو المستدام، سواء في البيئة أو الصحة، الأسرة، الثقافة، التراث، حقوق الإنسان وذوي الإعاقة وتكنولوجيا المعلومات، وكافة جوانب التنمية.
في الختام، إننا في الوقت الذي نقترح فيه على الشركات "الوطنية والأجنبية" أن تطور أنشطتها بالتركيز على القيم المشتركة والممارسات المسؤولة، وأن تكون تلك القيم جزءا لا يتجزأ من برامجها.. نأمل أن تدرك خطورة غياب مسؤولييتها إزاء أبناء المجتمع الذي تعمل فيه، والأثر الرجعي لهذا الغياب على برامج التنمية المستدامة. كما نتوخى منها إجراء تغييرات برامجية يمكن أن تعود بفائدة كبرى على الشركات والأفراد معا، وإطلاق منتجات وخدمات تعزز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، وإعداد خطط وطنية منخفضة التكاليف، قوية الفعالية، تسهم في تنمية قدرات الشباب.
مجلس الإدارة
|